الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي المقصّرة بتقوى الله عزّ وجل، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].
عباد الله، حديثنا اليوم عن مرحلة من مراحل الآخرة، مرحلة تفصل بين الدنيا والآخرة، ولا بد لكل واحد منا أن يمر بها، إنها مرحلة "البرزخ".
ما هو البرزخ؟
البرزخ في اللغة هو الحاجز والفاصل بين شيئين، وفي الاصطلاح: هو العالم الذي ينتقل إليه الإنسان بعد موته إلى أن يُبعث يوم القيامة. قال الله تعالى:
﴿ وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 100].
أي: من بعد موتهم إلى بعثهم، هناك برزخ، عالم غير محسوس لنا، ولكنه موجود، لا يُدرك بالحواس، وإنما يُعلم بخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
البرزخ: بداية الجزاء
الناس في البرزخ إما في نعيم، وإما في عذاب، بحسب عملهم في الدنيا، فقد ثبت في الحديث أن الميت إذا وُضع في قبره، وأُتي إليه الملكان، وسُئل عن ربه ودينه ونبيه، فإن كان من أهل الإيمان، أجاب، فيُقال له:
"نم نومة العروس، لا يوقظه إلا أحب أهله إليه".
وإن كان من أهل الشك والضلال، يُضرب بمطارق حتى يصرخ صرخة يسمعها من حوله إلا الثقلان.
قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم:
"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة".
فالقبر، يا عباد الله، إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وما بين الموت والبعث ليس فترة نوم أو غفلة، بل هي مرحلة إدراك ووعي، ولكن لا نعلم كنهها، فالميت يسمع ويشعر، ولكن ليس كإحساسنا نحن.
حال المؤمن في البرزخ
المؤمن يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ويوسع له قبره مد البصر، ويأتيه رجل حسن الوجه والريح، فيقول له: "أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد"، فيقول: "من أنت؟" فيرد: "أنا عملك الصالح".
أما الكافر أو المنافق، فيأتيه من العذاب، ويُضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه والريح، فيقول له: "أنا عملك الخبيث".
عباد الله، تأملوا: من عمله الصالح يكون له أنيسًا، ومن كان عمله سيئًا، فهو عدوّه في قبره!
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لماذا نتحدث عن البرزخ؟
لأن الاستعداد له ضرورة حتمية، فكل نفس ذائقة الموت، وكل من على هذه الأرض إلى زوال، والموت لا يفرق بين كبير وصغير، ولا غني وفقير، وقد قال الله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185].
ويقول ﷺ:
"أكثروا من ذكر هادم اللذات، الموت" [رواه الترمذي وحسنه].
ذكر الموت، والبرزخ، يجعل القلب يفيق من غفلته، ويستعد للقاء الله، ويحرص على الطاعات، ويبتعد عن المعاصي.
أعمال تنفع في البرزخ
يا عباد الله، إذا كان البرزخ أول منازل الآخرة، فإنّ الاستعداد له يكون في الدنيا، وذلك بالأعمال الصالحة، ومن أعظمها:
الصلاة: فهي أول ما يُحاسب عليه العبد.
القرآن: يأتي شفيعًا لأهله.
الصدقة: تظل صاحبها يوم القيامة.
الذكر والاستغفار: يُنير القبر.
الدعاء بالموت على الإيمان والثبات.
الدعاء للميت وأثره
ولا ننسى أن الميت في البرزخ ينتفع بدعاء الحي، كما في الحديث:
"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... وولد صالح يدعو له" [رواه مسلم].
فلنكثر من الدعاء لأمواتنا، فإنهم في أمسّ الحاجة له، ولنتصدق عنهم، ولنبرّهم بعد موتهم بزيارة قبورهم، وصلة أرحامهم، وتنفيذ وصاياهم.
ختامًا
يا عباد الله، إن البرزخ باب، إما إلى نعيم مقيم، أو عذاب أليم، ونحن اليوم في دار العمل، وغدًا في دار الجزاء. فلنستعد لهذا اللقاء العظيم، ولنحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب.
نسأل الله أن يجعل قبورنا وقبور والدينا وأحبابنا روضاتٍ من رياض الجنة، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه، ولا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.
اللهم اجعلنا ممن استعدّ للقائك، وعمل لما بعد الموت، ونسألك حسن الخاتمة، وحسن المآب.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.